أبي الفرج الأصفهاني
194
الأغاني
عظمائهم [ 1 ] - أن يخرج معه فينصره . فخرج أرياط في سبعين ألفا من الحبشة ، وقوّد على جنده قوّادا من رؤسائهم ، وأقبل بفيله ، وكان معه أبرهة بن الصباح . وكان في عهد ملك الحبشة إلى أرياط : / إذا دخلت اليمن فاقتل ثلث رجالها ، وخرب ثلث بلادها ، وابعث إليّ بثلث نسائها . فخرج أرياط في الجنود فحملهم في السفن في البحر ، وعبر بهم حتى ورد اليمن ، وقد قدّم مقدمات الحبشة ، فرأى أهل اليمن جندا كثيرا ، فلما تلاحقوا قام أرياط في جنده خطيبا فقال : يا معشر الحبشة ، قد علمتم أنكم لن ترجعوا إلى بلادكم أبدا ، هذا البحر بين أيديكم إن دخلتموه غرقتم ، وإن سلكتم البرّ هلكتم ، واتخذتكم العرب عبيدا ، وليس لكم إلَّا الصبر حتى تموتوا أو تقتلوا عدوّكم . انتصار أرياط على ذي نواس فجمع ذو نواس جمعا كثيرا ، ثم سار إليهم فاقتتلوا قتالا شديدا ، فكانت الدولة للحبشة ، فظفر أرياط ، وقتل أصحاب ذي نواس ، وانهزموا في كل وجه . فلما تخوّف ذو نواس أن سيؤسر ركض فرسه ، واستعرض به البحر ، وقال : الموت بالبحر أحسن من إسار أسود ، ثم أقحم فرسه لجّة البحر ، فمضى به فرسه ، وكان آخر العهد به . / ثم خرج إليهم ذو جدن الهمدانيّ في قومه ، فناوشهم ، وتفرّقت عنه همدان ، فلما تخوّف على نفسه قال : ما الأمر إلَّا ما صنع ذو نواس ، فأقحم فرسه البحر ، فكان آخر العهد به . ودخل أرياط اليمن ، فقتل ثلثا ، وبعث ثلث السبي إلى ملك الحبشة ، وخرب ثلثا ، وملك اليمن ، وقتل أهلها ، وهدم حصونها ، وكانت تلك الحصون بنتها الشياطين في عهد سليمان لبلقيس ، واسمها بلقمة ، وكان مما خرب من حصونهم : سلحون ، وبينون ، وغمدان ، حصونا لم ير مثلها . فقال الحميريّ [ 2 ] ، وهو بذكر ما دخل على حمير من الذلّ : هونك أين تردّ العين ما فاتا لا تهلكن أسفا في إثر من فاتا أبعد بينون لا عين ولا أثر وبعد سلحون يبني الناس أبياتا ! قال : فلما ظفر أرياط أخذ الأموال ، وأظهر العطاء في أهل الشرف ، فغضبت الحبشة حين أعطى أشرافهم ، وترك أهل الفقر منهم ، واستذلَّهم وأجاعهم وأعراهم وأتعبهم في العمل ، وكلَّفهم ما لا يطيقون ، فجزع من ذلك الفقراء ، وشكا ذلك بعضهم إلى بعض ، وقالوا : ما نرانا إلَّا أذلَّة أشقياء أينما كنّا ، إن كان قتال قدّمنا في نحور العدوّ ، وإن كان قتل قتلنا ، وإن كان عمل فعلينا ، والبلايا علينا ، والعطايا لغيرنا ، مع ما يقصينا ويجفونا .
--> [ 1 ] أ : « أمر إرياط عظيما » . [ 2 ] هو ذو جدن الحميري ؛ كما في البلدان ( بينون ) ، والبيتان مع آخر هناك ، والرواية فيه : لا تهلكن جزعا في إثر من ماتا فإنه لا يرد الدهر ما فاتا وفي أ ، ج : « . . . في إثر ما فاتا » ، والشعر في الطبري 2 : 125 ، وفيه : « . . . يرد الدمع . . . لا تهلكي » ، وفي « ياقوت » . ( سلحين ) : يا خلتي ما يرد الدمع ما فاتا لا تهلكي أسفا في إثر من فاتا